لقد حار عقلي في تفسيرك أيها الفقر، ولم أجد لك تعريفاً ثابتاً سواءً عند الذين أفنوا جلَّ عمرهم في وضع برامج وآليات لكبح جماحك، التي ما انفكت تزداد ضراوةً يوماً بعد يوم، أو عند من هم يكتوون بنارك التي سلطتها عليهم، حتى أنك لم تلتفت لبكاء أطفال جوعى أخذت أمهم من شدة ضيق ذات يدها بإعداد الطعام لهم رغم أن ذلك الطعام لم يكن سوى حصىً جعلت امهم تحركه ليكون صوت إيقاع الحصى في ذلك القدر "غذاء" أولئك الاطفال الجوعى .
.أيها الفقر في معركتك هذه تواجه أناساً لا حول لهم ولا قوة ، شأنك شأن الحروب التي تشنها الدول المستعمرة على غيرها من دول العالم الثالث فسياستكم واحدة ولهذا دائما عندما تذكر تأتي صورتك في مخيلتي مرتبطة بصورة المستعمر الذي ما إن يستعمر دولة أخرى حتى يبدأ بقتل كل من يناوئه في سياساته الجائرة . ولكنك لست المنتصر دائماً في جميع معاركك التي تخوضها ضد الفقراء فهناك من يقف لك بالمرصاد في كل خطوة تخطوها معرقلا بذلك جميع الخطط و السياسات الظالمة في حق أولئك الفقراء ،وبلا شك فأصحاب الايادي البيضاء هم من الد أعدائك منذ الأزل فقد استطاعوا بعطائهم المستمر للفقراء من كسر جبروتك وسطوتك التي مارستها ولم تزل تمارسها كأداة تبتز بها الكثير من بني البشر.
إنك ذلك الشبح الذي يهدد أرواح الملايين من الفقراء بين لحظة و أخرى بأساليب تخلو من الإنسانية والرحمة فتجوّع وتذل وتقهر وتستهويك صور القابغين تحت سقوف لا تحمي ساكنيها من دفق المطر وأبواب مخلعة تمنعهم من رد أي زائر لا يرغبون بإستقباله كريح عاتية أو شمس كاوية أو قوارض جائعة
فشبحك يزداد ضراوة عندما تمتهن أخلاق الشعوب وتنحط الى مراتب وضيعة ويغيب وازع الاخلاق والانسانية التي تحتم على كل انسان يحمل صفات الإنسانية بأن يفكر بأخيه الانسان ويعينه إذا جارت عليه نوائب الدهر وأحاطت به من كل جانب.
فالمشهد سيكون مختلفاً كثيراً على الطرف المقابل لذلك الكوخ الوضيع فهناك قصور مشيدة ، متطاولة في البنيان ،شامخة في علوها، ولا أبالغ إن قلت أن هذه القصور قامت على أجساد الفقراء الذين لم يجدوا المأوى ولا الطعام ولا الماء جراء الظلم الاجتماعي الذي سمح للاغنياء بأن يزدادوا غنىً ويتبطحوا بالنعيم و جارهم الفقير يزداد فقراً و يتبطح بالجحيم .
أي واقع هذا الذي نعيشه اليوم !! إنه ظلم وحيف لا يمت للإنسانية بصلة .
لقد عانت المجتمعات الفقيرة ما عانته جرّاء السياسات المجحفة في حقها، فعلى مدى العقود البالية عانى العالم الثالث بشكل خاص من ويلات الحروب والمطامع الاستعمارية الذي مزقها ونهب خيرات بلادها وزاد من فقر أهلها أضعافاً مضاعفة،فأصبح على شعوب العالم الثالث أن تعاني الأمرّين فقد أضاف المستعمر عليها عبئاً آخر لم يكن بالحسبان ، فزاد من فقرهم الذي ما كانوا ليشعروا به لو مدت إليهم يد العون لأخراجهم من غياهب الفقر وجيوبه ولكن عمل على قتلهم وقهرهم وتجويعهم ليكونا معاً "الفقر و الإستعمار" النار التي تحرق أجساد الفقراء. إن الدول الفقيرة تملك من الثروات الطبيعية التي لا حصر لها ولكن ما جدوى هذه الثروات والمستعمر ينهب منا وكأن الدول الفقيرة هي الأب الخرف المجنون الذي لا يقدر على التصرف بأمواله والدول المستعمرة هي الإبن الوصي على امواله وممتلكاته
أيها الفقر اللعين سوف تبقى قوياًَ منيعاً وحصيناً في قلعتك البرجوازية التي تنطلق منها على بيوت الفقراء وتشن هجماتك عليهم، فتغشيهم وتسلبهم حياتهم وأنفاسهم القصيرة التي يغصون بها .
ولكنك لن تمنع أي فقير من الحلم بالمستقبل المخضر المزهر ولن تمنع الأطفال من ممارسة حقهم الطفولي البريء باللعب والفرح حتى ولو كانوا فارغي الجوف ومصفريّ الوجوه و عاريين الجسد ... لن تمنعهم .....لن تمنعهم .



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق